قد تهز أياً منا أبيات شعرية قديمة من نوع بيت الصوفي ابن الفارض (تِهْ دَلالا فأنْتَ أهْلٌ لذاكاَ / وتحَكم فالحُسن قد أعطاكا) أو من نوع قول درويش (يا ريتا، وهبناكِ أنا والموتُ / سِرَ الفرح الذابل في باب الجماركْ/ وتجدَدنا، أنا والموت/ وفي شُباكِ دارك) يستمتع بها وتهزه في صمت، أو في نشوة، ويمضي كل ذلك في صمت. غير أن المدرس منا حين يدرس مثل هذا الشعر قد تلزمه وضعيات التدريس أو التفاعل الثقافي كي يقدم خطابا معللا لما يعد جماليا في الشعر. أغلب دروسنا ونقدنا حول الشعر، مقود بمسلمة أن الشعر فن جميل وأن على النقد أن يبرز الجمالي فيه. هذا ما سنسميه في هذا المقال بالجمالي المسبَق.
عادة ما ننطلق في دراسة بعض النصوص الراقية من مسلمات حول جمالياته المسبقة، ليس الهدف من بحثنا في الجمالي ههنا في النص الشعري، أن نبين أنه نصّ فني، أو أن لتلك الفنية التي فيه، يثير انطباعات لدينا وشعورا بالجمال. هذا المنحى في التعامل «الفني» مع النص الشعري هو الذي ساد وما زال يسود في كثير من الدراسات، التي تتخذ من خصوصيات البناء اللغوي في الشعر معبرا تثبت به جمالية هذا النص البديع والمميز بلغته. ما يضعف هذه الطريقة السائدة في إثبات شعور بالجمالية المسبقة في النص الشعري أمران:
أحدهما: إنه يعتبر الجمالي بالجنس لا بالنص، وإن جماليات الجنس، وعلى الرغم من محاولات تقنينها ورسم خطاطات عامة لها، فإنها لم تصلح لتكون غطاء لكل أفراد النصوص الشعرية. ففي الشعر القديم ليست كل الوقفات الطللية موفقة، وليس كل مشبب يعرف من أين يتفوق لسانه على عينه المتيمة. ولا كان كل هجاء قادرا على أن يبني بفن نصا يخلو من الإقذاع والفحش الرخيص. لا يعطي الجنس الأدبي للأديب كل مفاتيحه، يعطيه بعضا، والأغلب على الأديب أن يجدها في جيوب قلبه، أو في ثنايا حسه، أو في تجاويف فكره.
وثانيها: إنها تسعى دائما إلى أن تثبت هذه الحدوس الجمالية الماقبلية بأدوات يبحث عنها في النص، أو في الثقافة اللغوية والبلاغية، قد تفشل في الملاءمة بين شعور المتلقي بالجميل والكيفية التي بنت بها اللغة جماليات أخرى في النص. ذلك أن هناك مشكلا في الإقناع، بأن ما نشعر به من جميل في النص الشعري يمكن أن تفسره فعلا الأقوال التي تدعي أنها تفسر ما هو جميل، بالاعتماد على الأبنية اللغوية، والأساليب الفنية والعلوم البلاغية. بعبارة أخرى هل يحتاج من يهزه الجمال اللغوي في النص الشعري إلى آليات من يفسر له الجمال لكي يفهم ما الجميل؟ أم أن ما وضع من دراسات في وصف الجمال هو في الحقيقة استجابة لأمر دراسي، وليس لمطلبِ تلق يعيش الجمال ويحدس به ولا يريد أن يفسره خارج أطر شعوره بالجمال.
الجمالي الذي تبينه الدراسات الموضوعة على الشعر، يرتكز على القيمة الجمالية التي يرى الدارس أنها موجودة في النص، لكن الجمالي الذي يحدس به من يقرأ النص الشعري هو جمالية من يشعر بمتعة، تلك المتعة من جنس المتع التي يشعر بها المرء وهو يكتشف شيئا كان مستغلقا (حقيقة ريتا في أبيات درويش) أو شيئا كان يراه كل يوم ولا يراه (الجمال بما هو قيمة روحية في بيت عمر بن الفارض).
هناك اختلاف بين جمالية الحس المشترك، والجماليات التي تبنى في سياق علمي أو نقدي وليس بين الجماليتين من أرضية مشتركة. جمالية الحس المشترك هي جمالية من يستمتع بالنص لأن فيه شيئا ما أو أشياء لاقت في نفسه هوى وهو يعرف أنه منتش ولا يعنيه أن يعرف بدقة لمَ هو منتش. وجمالية عالمة تدعي أنها تعلم سر النشوة، التي شعر بها صاحبنا الأول، وأنه قادر على أن يبرز له مكامن الجمال، هو الذي لم يسأله في ذلك. الجمالية العالمة أو النقدية هي التي تندفع وراء إثبات جمالية مسبقة. والجمالية العامة أو جمالية الحس المشترك هي التي تعيش النشوة بلا تعليل.

إذا كان الجمالي مرتبطا بالفن، فمن المكن أن يكون نظرية مخصوصة، أو مفهوما معينا للفن وللجمال، ويمكن أن يكون مقاربة لهما تبحث في ما يصنع في الأثر الفني ذلك الشعور بالجمال.

هناك معطيات كبرى لا بد من بيانها ونحن نتحدث عن الجمالي في النص الشعري، مما يمكن للناقد والعالم أن يعرفها. أولها: إن الجمال مسألة إدراكية عاطفية تعالج مثلما تعالج الأنشطة اليومية البسيطة، أو المعقدة ذهنيا، وإن الجمال هو تسمية خطاطية تعبر عن تجربتنا مع أشكال من الجميل ندركه في أنشطتنا بواسطة حواسنا، إن كان الجميل حسيا، وندركه بالتجريد إن كانت تجربة مجردة.
ثانيا: إذا كان الجمال تجريدا ذهنيا من الجميل، فإن الجمالي هو تجريد ذهني من الجمال، ولذلك فإن الجمالي هو اسم للظاهرة وإن شئت قلت هو مقولة تقال لا على عينات ما هو جميل، بل على كلياتها، ولذلك فهي تتجاوز معنى الجمال إلى معنى الفن وطبيعته والأعمال الموسومة بالفنية بهذا الإطلاق المقولي الكلي، لذلك عدها أرسطو مثلا فلسفة للفن.
ثالثا: إذا كان الجمالي مرتبطا بالفن، فمن المكن أن يكون نظرية مخصوصة، أو مفهوما معينا للفن وللجمال، ويمكن أن يكون مقاربة لهما تبحث في ما يصنع في الأثر الفني ذلك الشعور بالجمال.
رابعا: إن كنا نفترض ما جاء في أولا من أن الجمال مسألة إدراكية، فهل يمكن أن نتحدث عن ملكة ذهنية في الإنسان هي ملكة الاستطيقا؟ وإن كان الأمر كذلك فما علاقتها بالملكة اللغوية، خصوصا أن الملكَتين مقتصرتان على البشر؟ هل تؤثر إحداهما في الثانية أم إنهما متفاعلتان؟
خامسا: إن كنا نسلم بما جاء في ثانيا وثالثا، من أن الجمالي يمكن أن يسلط مقولاته المجردة على أثر فني ما يصنع باللغة مثلا، فهل يمكن أن نتحدث عن جماليات لغوية في مقابل الجماليات العلامية الأخرى كالتي في الرسم والموسيقى وغيرهما من الفنون؟ وهل يمكن أن نتحدث بوجه مخصوص عن جماليات لغة معينة، وعن جماليات جنس أدبي معين صنع بتلك اللغة؟
بناء على هذه الفرضيات الخمس العامة، يمكن أن نضع فرضيات فرعية لما نسميه جمالية النص الشعري هي نابعة من تلكم الفرضيات الأولى الكبرى:
أولا: إذا كان الجمال مسألة إدراكية عاطفية فهل أن الشعور بالجميل في النص الشعري مسألة منغرسة في معالجتنا المخصوصة للغةِ، هذا النص عند سماعه أو عند قراءته ومرتبطة بعلاقتنا العاطفية بهذا النص المخصوص: بمعنى هل أن الشعور بالجمالي هو شيء ما قبلي لمباشرة النص الشعري بشكل من الأشكال.
ثانيا: هل الجمالي في النص الشعري يمكن أن يتعلق بكليات فيه، وهذه الكليات هي المقولات الشعرية الكبرى التي لم تنجح الأغراض الشعرية القديمة في الإحاطة بها؟ أي هل يمكن أن نتحدث عن جمالية في عرض الفكرة، وفي معالجتها، وفي دفع الناس إلى فهمها قبل الإقبال على تبنيها، بما هي جزء من ثبات القول الشعري وركن من تمام الإبداعية فيه؟ أليست الإبداعية في النهاية مسألة جمالية مادامت تزين الأفكار وتربط بينها وبين المقبل عليها برباط عاطفي فيه تلذذ وانتشاء؟
ثالثا: هل يمكن أن تعبر عن الجمالي في النص الشعري من خلال نظرية مخصوصة مثل نظريات بلاغية قديمة كنظرية النظم القديمة لعبد القاهر الجرجاني، أو من خلال أي نظرية حديثة مستمدة من اللسانيات الحديثة كالبنيوية أو التوليدية أو التداولية والعرفانية، التي تعتمد هنا وهناك في قراءة النص الشعري؟ أم أن الجمالي في النص أمر مفتوح على تفاعل المقاربات وتنوع المقولات الجمالية الممكنة؟
هذه أسئلة تعني التلقي، لكن لا أحد من الشعراء تعنيه هذه المسائل من ابن الفارض إلى درويش. كل يغني لجناحه ويطير.

أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *