في ألبومه الجديد الصادر مؤخراً بعنوان Freudvoll und Leidvoll يغني التينور الألماني يوناس كاوفمان مجموعة من قصائد بترارك وغوته وهاينرش هاينه، وشعراء آخرين، قام بتلحينها جميعاً فرانز ليست 1811 ـ 1886، وبعد الاصطدام بحاجز اللغة الألمانية المنيع، واللجوء إلى بعض الترجمات المتاحة لهذه القصائد، التي لا تسهل من الأمر كثيراً، تبقى صعوبة تذوق اللغة لفظاً وإيقاعاً تواجه غير المعتاد على سماعها، فعندما يعود كاوفمان إلى ألمانيته ولغته الأم ولسانه الأول، يسبب الشعور بالغربة للبعض من مستمعيه الذين يألفونه يغني بالفرنسية والإيطالية والإنكليزية، ومن بين 20 أغنية يحتوي عليها هذا الألبوم، لا يوجد سوى ثلاث أغنيات فقط باللغة الإيطالية، هي قصائد أو سوناتات بترارك التي يتم الذهاب إليها أولاً قبل البدء في محاولة اكتشاف الأغنيات الألمانية، ولما كان اسم فرانز ليست يكاد يكون مرادفاً للبيانو، فلا يسمع في الألبوم سوى أنغام هذه الآلة الموسيقية، حيث يصاحب كاوفمان في جميع الأغنيات التي تتراوح مدتها ما بين دقيقة ونصف الدقيقة إلى سبع دقائق، أستاذه القديم عندما كان طالباً يدرس الموسيقى، العازف الألماني هلموت دوتش.

الحفاظ على القيمة الفنية

ولألبومات كاوفمان بشكل عام أهمية كبيرة، فهي الصلة بينه وبين المستمعين من خارج دائرة محبي الأوبرا، ورواد المسارح التي يقيم عليها عروضه وحفلاته، وهو يعتني بهذه الألبومات جيداً، فلا يمر عام إلا وأصدر ألبوماً أو اثنين، ويحرص على التنوع في اختياراته، والحفاظ على القيمة الفنية الرفيعة لهذه الاختيارات، وإن تباينت الأذواق واختلفت الآراء حولها، فمن لا يهوى فرانز ليست ولا يستمع إليه كثيراً، ولا تعجبه تلك المطاردات السريعة اللاهثة على مضارب البيانو في بعض أعماله، والانتشار الرهيب لأصابع العازف يميناً ويساراً بشكل يُعجز البعض منهم ولا يمكنهم من لعب مقطوعاته، من لا يحب كل هذا لدى فرانز ليست، ربما سيعيد اكتشافه مع كاوفمان، وحتى من لم يستمع إليه من قبل، فإن هذا الألبوم قد يمنحه الفرصة للتعرف على جانب من جمال موسيقاه وجزء من إبداعه الفني، هذا الجزء هو تلحين الكلمة، وصناعة الأغنية الفردية التي تؤدى بعيداً عن الأوبرا أو أي سياق مسرحي درامي.

هذا الألبوم قد يمنحه الفرصة للتعرف على جانب من جمال موسيقاه وجزء من إبداعه الفني، هذا الجزء هو تلحين الكلمة، وصناعة الأغنية الفردية التي تؤدى بعيداً عن الأوبرا أو أي سياق مسرحي درامي.

وقد سبقه إلى هذا فرانز شوبرت في بدايات القرن التاسع عشر، وكان ملهما لفرانز ليست، الذي أعاد صياغة بعض أغنياته، وعلى العكس من شوبرت لا يعد فرانز ليست من أصحاب المآسي الكبرى، والحياة القصيرة التي سرعان ما تنتهي كحلم خاطف، مثل البعض من عظماء الموسيقى الكلاسيكية، بل إنه حاز المجد وكان محط إعجاب الفتيات وأموره العاطفية على ما يرام، ويقال إنه كان زير نساء، وحظي بالمكانة الفنية طوال عمره والروحية أيضاً، في الفترة الأخيرة من حياته، ولا بأس في ذلك، فالفن لا ينتج عن الألم وحسب، والعذاب ليس من ضروراته، ومدرسة السعادة قادرة أيضاً على تخريج العباقرة، ويرى كاوفمان أن فرانز ليست مؤلف موسيقي عظيم لذا أتى هذا الألبوم مكرساً له بالكامل.
يمتلك كاوفمان صوت التينور، الصوت البطل في الأوبرا ومركز الدراما في أغلب الأوقات، وهو أعلى وأقوى الأصوات لدى الذكور من المغنين، ويجسد الحب والشجاعة والجمال الرجولي، ويعد هذا الفنان المولود في ميونخ سنة 1969 التينور الأول في العالم حالياً، بفضل ما يتمتع به من قدر وقيمة فنية ومكانة رفيعة، فقد استطاع بجهده وتطويره الدائم لتقنيات صوته أن يتخطى التحديات، وأن ينتقل من الصعب إلى الأصعب، وأن يذهب بصوته بعيداً ليجعل منه ذلك الصوت الذي يستطيع أن يغني كل شيء مهما كانت درجة صعوبته، ما مكنه من أداء أعظم وأصعب أدوار الأوبرا، على أهم مسارح العالم، ويتميز كاوفمان بإحساسه المتوقد الذي يغمر المستمع بفيض من المشاعر، بالإضافة إلى فهمه العميق للشخصيات التي يؤديها، وتماهيه معها، بأسلوب يمتلئ بالخيال، وكذلك ما يتمتع به من قدرات الأداء التمثيلي والكاريزما القوية، ويتنوع أداؤه في هذا الألبوم، ويتلون صوته، فقد يكون قوياً إلى درجة مخيفة تخلق في النفس الشعور بالرهبة، وقد يكون هادئاً شاعرياً يذيب القلوب، لكن الغناء الألماني الذي يسيطر على الألبوم بشكل شبه كامل، يبدو بعيداً وصعباً، ويجعل حتى إحساس كاوفمان مبهماً وغامضاً، وأسلوبه غريباً بالنسبة للبعض، ويحتوي الألبوم على أربع قصائد للشاعر الألماني هاينرش هاينه، ويبدأ بواحدة منهم هي Vergiftet sind meine Lieder غير المفهومة التي ربما يقول فيها الشاعر، إن أغنياته مفعمة بالسم وقلبه ممتلئ بالأفاعي، ويغنيها كاوفمان بأسلوب مخيف على كل حال، أما القصائد الثلاث الأخرى فتتناول الطبيعة، وتصف أمكنة معينة في ألمانيا، كأغنية «الصنوبر يقف وحيداً» وأغنية «في الراين النهر المقدس» وأغنية Die Loreley.
أما عنوان الألبوم فهو يعود إلى الشاعر الألماني غوته، وإحدى قصائده، فإن له أربع قصائد أيضاً، وبقية القصائد الألمانية هي لشعراء آخرين، ربما يعرفهم البعض، وربما لم يسمع عنهم البعض من قبل مطلقاً، وجميعهم من المعاصرين لفرانز ليست، أو ممن سبقوه إلى الحياة، وفي الأغنية التي تحمل عنوان الألبوم، توجد حالة مشابهة لما عبر عنه بترارك في واحدة من سوناتاته، حيث الشعور المتناقض بالفرح والحزن في الوقت نفسه، ويغنيها كاوفمان في نسختين إحداهما بطيئة والأخرى سريعة، وموسيقاها جميلة خاصة البطيئة منها، وهي أول ما يغنيه كاوفمان لغوته في الألبوم، والأغنية الثانية هي Der könig von thule التي تروي قصة ما عن ملك وعشيقته على الأرجح، وللأغنية الثالثة نسختان أيضاً وهي بعنوان «يا من أتيت من السماء» وتتحدث عن شخص أو شيء ما جاء من السماء ليخفف الآلام ويمحو الأحزان، وعن الطبيعة تتحدث الأغنية الرابعة «المتجول ليلاً» وربما تتناول الموت أيضاً، وللأسف تكاد الصلة تنعدم مع هذه الأغنيات، وما توصله الترجمات من معانيها يبدو فقيراً، على العكس من أغنيات، أو آريات أخرى يؤديها كاوفمان باللغة الفرنسية، تزخر بفلسفة وأفكار ومعاني غوته ومشاعره، وقد اشتهر كاوفمان كثيراً من خلال هذه الآريات، ومنها «شكراً أيها الشفق الوديع» من أوبرا فاوست للموسيقي الفرنسي هيكتور برليوز، المأخوذة عن رواية «فاوست» لغوته، هذه الأوبرا المركبة فكرياً والمعقدة موسيقياً، وتعبر الأغنية الهادئة عن حالة مختلفة يمر بها فاوست، صاحب الصفقة الشهيرة مع الشيطان، حيث الخسران المبين والضياع الأبدي، وفيها يعود فاوست إلى طبيعته الصافية اللطيفة، ويشعر بالحب النقي الطاهر الذي يتمناه، وبالفرق الكبير بينه وبين الحب المادي الذي ييسره له الشيطان، والذي لا سعادة فيه، ويغني لحبيبته مارغريت التي يرى فيها البراءة والطهر والنقاء، وكل هذه الأمور التي سوف يدمرها ويقضي عليها في ما بعد، ويتمنى أن يكون ما يشعر به هو الحب حقاً، بينما يستنشق الهواء النقي ويناجي ربه شاكراً هذا الجمال، وهذا الإحساس الرائق بعيداً عن الشيطان وجحيمه.

هذه القصائد الجميلة كتبها بترارك في حبيبته لورا، التي وقع في غرامها منذ أن رآها للمرة الأولى، وفقدها عندما تزوجت من غيره، ثم فقدها مرة أخرى عندما ماتت مبكراً في شبابها، وظل يحبها إلى الأبد

ثورة على الواقع

ومن أوبرا فرتر للموسيقي الفرنسي جول ماسينيه، المأخوذة عن رواية «آلام فرتر» لغوته، يتألق كاوفمان عندما يغني «لم توقظينني يا نسائم الربيع؟» وهي بحق من أروع ما يؤديه، نظراً لتأثره بشخصية فرتر، ذلك البطل الألماني الذي عرفه منذ صباه وأيام نشأته الأولى من خلال قراءته لرواية غوته ذات الأثر الفكري والفني الخالد، هذه الرواية ترجمها إلى اللغة العربية صاحب المجد والفضل أحمد حسن الزيات مالك مجلة «الرسالة» ومحررها، يتعاطف كاوفمان إلى حد بعيد مع شخصية فرتر، ويحث المستمع على التعاطف معه، وينقل معاناة ذلك الشاب الذي لم يكن سعيداً إلا بموته بين ذراعي حبيبته شارلوت، ويوضح حقيقة تلك المعاناة التي هي أكبر من حبه المهزوم، من خلال تعبيره عن ما يدور داخل هذه الشخصية، من غضب مكبوت تجاه كل ما هو سائد وثورة على الواقع بأكمله، وكذلك تردده بين الموت والحياة، وتمثل هذه الآريا مرحلة ما قبل النهاية في حياة فرتر، لأنه سوف يستسلم للموت في نهاية الأمر، عندما لا يقوى على مواجهة الحياة بدون شارلوت التي فضلت الواجب تجاه زوجها على مشاعر الحب التي تكنها لفرتر.
أما الغناء الإيطالي الرائع في الألبوم الجديد، فإنه يعوض المستمع عن عدم تذوقه للغناء الألماني، وتعد قصائد بترارك 1304 ـ 1374 الثلاث التي اختارها كاوفمان من أجمل ما يهديه إلى جمهوره، هذا الجمال العميق والمتعة الخالصة، وسحر الكلمة والغناء والموسيقى، والحوار البديع والانسجام بين الصوت البشري والبيانو، وتحديداً في النغمات التي تبدأ بعد أن ينتهي الغناء، وكأن فرانز ليست يرد موسيقياً على كلمات بترارك التي أثرت فيه وأذهلته بجمالها، هذه الأغنيات الثلاث تعكس حالات شعورية مختلفة لدى الشاعر، لذا يختلف أداء كاوفمان في كل منها، وتعبر أغنية Pace non trovo عن أسوأ حالات الشاعر، رغم غموضها أحياناً ووجود بعض التعبيرات غير المفهومة، خصوصاً في خاتمتها، لكنها تصف الضياع والتمزق النفسي وتضارب المشاعر، فهو يحترق لكنه يشعر بأنه كتلة من جليد، ويطير في السماء بينما هو مرمي على الأرض، ولا يمتلك شيئاً والعالم كله بين يديه، يتألم ولا لسان له لكي يصرخ، ولا يقتله الحب ولا يحرره، وهكذا لا يجد السلام أبداً، وتفيض أغنية I’ vidi in terra angelici costumi بالغزل حيث يقول الشاعر: رأيت عينين جميلتين باكيتين، منهما تغار الشمس ألف مرة، ومن بين التنهدات سمعت كلمات حركت الجبال وأوقفت جريان الأنهار، ويصف تلك المرأة بأنها العفة الملائكية والجمال السماوي على الأرض، تسعده ذكراها وتشقيه في آن واحد، وتحول كل شيء من حوله إلى أحلام وظلال ودخان.
هذه القصائد الجميلة كتبها بترارك في حبيبته لورا، التي وقع في غرامها منذ أن رآها للمرة الأولى، وفقدها عندما تزوجت من غيره، ثم فقدها مرة أخرى عندما ماتت مبكراً في شبابها، وظل يحبها إلى الأبد، ويكتب عنها كما تصف أغنية Benedetto sia’l giorno حيث يقول الشاعر: تبارك اليوم والشهر والسنة والزمان، والمكان واللحظة التي وقعت فيها أسيراً لعينيها الجميلتين، ويبارك أيضاً الجراح والسهام التي أصابت قلبه، والألم اللذيذ الذي شعر به للمرة الأولى، ألم الحب، وعندما يغني كاوفمان اسم لورا، يكون الصوت في أعلى طبقاته في منتصف الأغنية، ويعبر بإحساسه عن حالة الرضا التام بالحب والتنهدات والدموع والاشتياق، والامتنان حتى لآلامه، ويبارك الشاعر أيضاً الأغاني التي ينطق فيها اسم لورا، والأوراق التي يكتب عليها أشعاره عنها ويذيع شهرتها في الآفاق، ويقول إن هذه الأوراق لها وحدها ولا مكان فيها لغيرها.

كاتبة مصرية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *