يُعد كتاب فيكتور فرانكل «الإنسان يبحث عن المعني» من الأعمال الكبرى في العلاج الوجودي، وربما يحتل هذه المكانة لاستخلاصه تجربة الكاتب ورحلته في استكشافه نظرية العلاج بالمعنى، التي يمكن عدها نظرية مقطرة من واقع معاناته لمعنى التعري وتجريد الإنسان من إنسانيته وحياته؛ ماضيها ومستقبلها؛ فحينما يُضرج الإنسان بجحيم رمز من الرموز؛ لا يعود إنسانا، ويصبح مستباحا لكل فعل خال من الإنسانية.. سياق تتساقط فيه كل المعاني وتندثر وتتجسد فيه غريزة البقاء في أقسى صورة لها.
ومن هنا فإن جدارة خطاب فرانكل بالتأمل، تنبثق من فرق يتجلى بين نظرية قائمة على الواقع والتجربة الذاتية ومنبثقة منها، وأخرى منبتة الصلة بها؛ ما يُمكِّن من توصيف الجملة الكبيرة للكتاب بأنها اشتقاق المعنى من اللامعنى بحد التجربة؛ فتدفق سرده والتحامه بالمعاني وضدها التي تلقيها الحياة في طريق الإنسان؛ دعته للقول ببساطة ـ عكس ما يتوقع أي إنسان أن يسمع- إنه مهما كانت قسوة سياقات الحياة التي تغمر الإنسان وتحدو به إلى اللامعنى، يستطيع أن يستكشف فيها معنى ما؛ يعطيه أملا في الاستمرار، بدلا من اختيار الحلول العدمية بالمطلق كبديل. وهي فكرة للوهلة الأولى يمكن لأي شخص أن يتهمها بالترف الفكري، ويتفحصها بالتوجس والشك، خاصة إذا جُوبهت بأسئلة منبثقة من الواقع والتجارب التي يمر بها أي إنسان.
فحينما تكون التجربة من القسوة والحدة والتطرف بمكان؛ يجد الفرد نفسه في التقاء مباشر مع نتائج واقعية وماثلة أمامه مثل، أن الإنسان هو مجرد نتاج للظروف الاجتماعية القاسية، اللاوعي وتحكمه في سلوك الإنسان، أو أن الإنسان محكوم بقضاء محتوم. وكلها أفكار تدفع بالأسئلة المحمومة حول ماهية الإجابات التي قدمها فرانكل؟ ما جعل مستوى تحليله المعروض بالسرد والتنظير؛ شائك التناول من حيث اقتراب الكاتب من القضايا الوجودية الكبرى، ولمسه للخيط الرفيع بين المفاهيم ودرجاتها المختلفة، ذلك الخيط الذي يجعل الحدث الذي يمر به الإنسان وما تلقيه الحياة أمامه من الأضداد، يسكنه في المرض أو الصحة، في المعنى أو اللامعنى. وهو ما حاول فرانكل على مدار الكتاب التغلب عليه، باستخدام تقنية مد الإبصار، أو ما يطلق عليه تقنية أخصائي العيون، حيث حاك أفكاره في أطر من توسيع نطاق الرؤية، سواء بشكل مباشر بتناول الأطياف المختلفة للمفهوم الواحد، أو في إعطاء الإنسان آليات للتفكير والنظر في تلك الأفكار ومعانيها المختلفة، بالإضافة إلى توطيد ذلك بخلاصات التجارب.
وفي المقابل فإن إدراك القارئ لفلسفة الكاتب، ربما تحتاج إلى نوع من تشظي وفيض التجربة الداخلية، أو الواقعية المتجاوزة للمعاناة، وما تتركه من آثار الحفر العميق للأسئلة داخل الإنسان. وحاجة القارئ كما الكاتب لذلك ربما تحدوها إشكالية المفاهيم ذاتها، وامتدادها لعمق الوجود الإنساني. ومن هنا يمكننا أن نرى هذه المفاهيم تتشكل في ثلاثة أوعية رئيسية، تقع في المركز منها إرادة المعنى، ويدور حولها معنى الحياة وحرية الإرادة، والتداعيات التي تنتج من تشابك هذا النسق وتفاعل أجزائه مع بعضها بعضا، وهو ما يمكن تخيله في إنسان تكمن في فطرته إرادة المعنى، ويمتلك حرية اتخاذ موقف تجاه الظروف، ومسؤوليته تجاه الحياة، إنه إنسان يسعى للبحث عن معنى ما، ويمر بمراحله ومهامه التي تفرضها الحياة ويتجاوزها، ويحقق إمكانات ذلك المعنى… إنه كانديد وهو يقول في خاتمته «هذا قول حسن، لكن يجب علينا أن نزرع حديقتنا».

يقول فرانكل «ويل لمن لا يرى في حياته معنى، ولا يستشعر هدفا أو غرضا لها، ومن ثم لا يجد قيمة في مواصلة هذه الحياة، وسرعان ما يحس بالضياع». ويقوم قوله على الافتراض السابق وهو، حرية الإرادة، فما يعوز الإنسان كما يقرر هو تغير أساسي في اتجاهه نحو الحياة، فليس موضع الأهمية ما هو متوقع من الحياة للإنسان بقدر ما هو الذي تتوقعه الحياة منه.

إرادة المعنى

تقع إرادة المعنى في المركز من الإطار المرجعي للعلاج بالمعنى، حيث تؤطرها مقولة الكتاب الرئيسية «الإنسان يبحث عن المعنى» وفيض دلالتها ربما يرجع إلى حيوية الفعل «يبحث» وتدفقه واستمراريته وتجدده، كما جملة الكتاب الكبيرة ذاتها، وهو ما يحكم على عملية السعي للمعنى والبحث عنه، بالانفلات من إطار الزمن المعتاد والاستقرار في صيروة دائمة ومستمرة. فحد فرانكل سعي الإنسان للبحث عن معنى بأنه قوة أولية في حياته، وليس تبريرا ثانويا لحوافزه الغريزية، وأهمية هذه الفكرة أنها جعلت إرادة المعنى مركز حياة الإنسان، وبالتالي فإن كل شيء لاحقا يأخذ معناه من هذه الفكرة، ويتشكل من مدادها، فضلا عن متلازمة السعي ذاته في إرادة المعنى، حيث تطابق حالة التوتر الداخلي أو ما يطلق عليه فرانكل الديناميات المعنوية، وهي بمثابة الفجوة بين واقع المرء وما ينبغي أن يصير عليه أي المعنى المراد تحقيقه، كما يقرر أن التوتر هو أساس الصحة النفسية، وليس الاتزان الداخلي؛ ما يجعل الإنسان في سؤال مفتوح مع الحياة عن المعنى في كل شيء يحياه أو محتم أن يقابله أو يمر به، وهو ما أكدته تجارب علم النفس من أن إرادة المعنى هي عند معظم الناس حقيقة وليست مجرد اعتقاد، فكل إنسان يحتاج شيئا ما لكي يعيش من أجله.
وعلى الجانب الآخر يؤكد فرانكل أن المعنى لا يمثل دافعا أو بمعنى آخر، لا يوجد ما يسمى الحافز المعنوي أو الديني، انطلاقا من مخطط الحاجة للمعنى، ثم السعي لإشباع المعنى، ثم الاتزان الداخلي؛ على قياس النموذج الفرويدي؛ الحاجة ثم الإشباع ثم الاتزان الداخلي. فيرفض فكرة أن يكون هناك دافع معنوي، ويقرر أن القيم تشد وتجذب، «فالإنسان مدفوع بالحوافز والدوافع، لكنه منجذب بالمعنى» وهذا يعني أن الإنسان نفسه هو الذي يقرر ما إذا كان يبتغي تحقيق المعنى، أو لا يبتغيه؟ ومن ثم فإن تحقيق المعنى يتضمن دائما اتخاذ القرار، فيرى أن الإنسان لا يساق أبدا إلى السلوك الأخلاقي، لكنه في كل مرة يتخذ قرارا بأن يسلك سلوكا أخلاقيا، بمعنى أنه يمتلك حرية القبول والرفض لما هو معروض عليه، أي في تحقيق إمكانات المعنى، ويسلك هذا السلوك من أجل سبب يوطن نفسه عليه، أو من أجل شخص يحبه وغيرها من الأسباب الخيرة التي تقف عند حدود الآخرين وسلامهم، وتدور في مدار القيم الأبدية مثل، الحق والخير والجمال. وهذا يمتد بإرادة المعنى إلى تجاوز فكرة اللذة والسعادة والنجاح وتحقيق الذات، لأن كل ذلك هو آثار لتحقيق المعنى، وليست هي المعنى ذاته. فالمعنى متجاوز والنجاح والسعادة واللذة وتحقيق الذات هي آثار لتحقيق المعنى، وأن الإحباط في تحقيق المعنى، ينكص بالإنسان إلى تحقيق الذات، أو إرادة القوة بمفهوم أدلر، أو الانغماس في اللذة بمفهوم فرويد، أو الإحباط الوجودي والفراغ الوجودي، والعصاب الجماعي بمفاهيم فرانكل، وغيرها من الظواهر التى يجمعها اللامعنى. فالمعني ليس انبثاقا من الوجود وحسب، لكنه بالأحرى شيء يواجه الوجود ذاته، ما يضع إرادة المعنى في المركز من حياة الإنسان وطبيعته الباعثة على التحدي والعمل. ومن هنا أخذت فكرة اتخاذ القرار واستكشاف المعنى أساسا صلبا في نظرية إرادة المعنى، فمعنى الوجود ليس أمرا نبتدعه نحن أنفسنا كما يعرض سارتر في فلسفته الوجود ثم الماهية، وإنما هو بالأحرى أمر نستكشفه ونستبينه، فقصة فرانكين ذاتها كانت دلالة أو تجسيداً لفكرة الاستكشاف هذه، التي ربما يمكن وصفها بأن هناك معاني كثيرة موجودة في حياة الناس، ولا يتم اكتشافها دون أن يكون الشخص على الموجة نفسها من التجربة الداخلية أو الواقعية، أو حفر الأسئلة الوجودية في داخله، وآثارها المتراكمة، فمن لم يجرب المعاناة لن يجد معنى في مساعدة الآخرين. وهنا يكمن السؤال هل الإنسان بيده القرار فعلا؟

حرية الإرادة

ينطلق فرانكل في هذا الجانب من سؤال رئيسي وهو، هل صحيحة تلك النظرية التي تقول إن الإنسان لا يعدو أن يكون نتاج عوامل بيئية وظروف كثيرة ـ وهي ذات طبيعة بيولوجية ونفسية واجتماعية؟ أليس لدى الإنسان أي اختيار لأفعاله في مواجهة تلك الظروف؟ وهو سؤال ممتد عبر التاريخ عن ما إذا كان الإنسان مخيرا أم مسيرا؟ فيبني العلاج بالمعنى إجابته على افتراض أساسي هو حرية الإرادة، فيرى الكاتب أن الإنسان في مقدوره أن يحتفظ ببقية من الحرية الروحية، ومن استقلال العقل، حتى في تلك الظروف المريعة من الضغط النفسي والمادي، فيؤكد أن القرار هو السيد في كل تلك الظروف، وأن الحرية الروحية هي التي لا يمكن لأي قوة أن تسلبها من الإنسان على الإطلاق، وأن القبول أو الرفض هو فقط بيد الإنسان. ويعمق هذه الفكرة بتقسيم الحياة إلى ثلاثة أنواع: الأولى هي الحياة المتسمة بالنشاط، التي تعطي الإنسان فرصة لتحقيق القيم في عمل إبداعي، والحياة السلبية القائمة على الاستمتاع وتقدم فرصة للفرد لكي يخبر الجمال أو الفن أو الطبيعة، والثالثة هي الحياة الجرداء التي ينقصها في الغالب أنواع الإبداع والاستمتاع، ما يسمح بقبول احتمال واحد وحسب من السلوك الأخلاقي الراقي، ألا وهو اتجاه الإنسان نحو وجوده، ذلك الوجود المقيد بقوى خارجية، فالحياة الإبداعية وحياة الاستمتاع محرمتان عليه، لكن ليس معنى هذا أن الإبداع والاستمتاع هما لونا الحياة الغنية بالمعنى دون غيرهما، فالآلام والمعاناة جزء من الحياة، ويتعذر الخلاص منهما، شأنهما في ذلك، بل في مقدمتهما القدر والموت، فيقرر أن الحرية ليست حرية من الظروف، لكنها حرية اتخاذ موقف تجاه الظروف، وهي الحرية الداخلية التي لا يمتلكها سوى الإنسان، وتقع في نطاق مسؤوليته تجاه الحياة وبقراره الداخلي، وهما مسؤولية وقرار يقومان في الأساس على ما إذا كان الإنسان يرى في الحياة معنى أم لا.

معنى الحياة

يقول فرانكل «ويل لمن لا يرى في حياته معنى، ولا يستشعر هدفا أو غرضا لها، ومن ثم لا يجد قيمة في مواصلة هذه الحياة، وسرعان ما يحس بالضياع». ويقوم قوله على الافتراض السابق وهو، حرية الإرادة، فما يعوز الإنسان كما يقرر هو تغير أساسي في اتجاهه نحو الحياة، فليس موضع الأهمية ما هو متوقع من الحياة للإنسان بقدر ما هو الذي تتوقعه الحياة منه. فالحياة تعني في النهاية الاضطلاع بالمسؤولية، لكي يجد الإنسان الإجابة الصحيحة لمشكلاته، ويحقق المهام التي تفرضها الحياة على كل شخص بصفة مستمرة، وهنا نلاحظ أن فرانكل يطابق بين هذه المهام ومعنى الحياة، ولذلك فهي تختلف من شخص لآخر لتمايز كل إنسان وتفرده، ومن موقف لآخر لأنه لا توجد مواقف تعيد نفسها بالضبط، وبالتالي فإن كل موقف يستدعي استجابة مختلفة، وعليه فقد حدد ثلاثة مواقف للاستجابة، الأول يستلزم من الإنسان أن يسعي لتشكيل قدره ومصيره بأفعاله وأعماله، والثاني قد يكون أكثر نفعا له أن يفيد من فرصة التأمل، وأن يحقق وجوده وقوته بهذه الطريقة، والثالثة قد تسلتزم الحياة من الإنسان أن يتقبل قدره ويصدع له ويتحمل متاعبه وأعباءه. ويؤطر ذلك بأن استكشاف المعنى وتحقيقه يكمن قراره بيد الإنسان، وأن كل ما يمر به هو مجرد مراحل ومهام يتوجب اجتيازها لتحقيق المعنى، وهو إطار يتجاوز تحقيق هدف ما من خلال الخلق الفعال لشيء ذي قيمة، وينطوي على الدوائر الأوسع من الحياة والموت.
ومن هنا نستطيع أن نرى لماذا كان فرانكل يطرح على مرضاه السؤال الصادم «لماذا لم تنتحر؟ فمن الإجابة كان يهتدي إلى الخيط الذي يدله على علاجه النفسي، مثل الحب الذي يربط الشخص بأبنائه، أو الذكريات التي تستحق الاستبقاء، أو الموهبة التي عليه ان يستخدمها، وكما يؤكد أولبورت، أن دور المعالج يتمثل في أن ينسج من هذه الخيوط الواهية لحياة محطمة نموذجا محكما من المعنى والمسؤولية، وهو ما يتماهي مع قول نيتشه «كم من حياة أنقذتها فكرة الانتحار» فتقف فكرة الانتحار على الشفا بين الحياة والموت، لكن ما زال فيها بقايا من معنى يمكن أن يكون بداية لطرح الأسئلة العميقة، كما التجربة ذاتها ودورها في إعادة توجيه الإنسان إلى شيء ما يستحق أن يعيش من أجله..

الدراسات الحديثة في العلاج بالمعنى

وفيها يطرح سؤال أساسي وهو كيف لنظرية علمية أن تقوم على ركيزتين لا يمكن التحقق منهما تجريبيا، وهما معنى الحياة وحرية الإرادة؟ وتخلص اليزابيث لوكاس التي تتمع بشهرة عالمية بأنها أهم تلميذ لفيكتور فرانكل، ففي كتابها living Logotherapy الصادر ترجمته باللغة الإنكليزية عن الألمانية عام 2020 ترجمة ديفيد نولاند. تجيب على هذا السؤال؛ بأن مجال الطب بأكمله يتطلب دعامة واحدة على الأقل لتبرير وجوده، أي الاعتقاد بأن الحياة البشرية ذات قيمة، ويجب الحفاظ عليها، ودون هذه الفرضية لن يكون هناك سبب لعلاج المرضى، فلم يثبت علميا أن هناك ميزة من إطالة العمر، لكنها تؤكد أنه ينبغي أن لا نسمح بزعزعة إيماننا بالأهمية الأساسية للحياة البشرية وقيمتها، التي يتردد صداها بعمق في داخلنا. وفي هذا السياق فإن مشكلة حرية الإرادة هي أكثر إثارة للجدل، وهنا أيضا تؤكد اليزابيث بأنه على الأقل يجب على جميع أشكال العلاج النفسي، أن تتفق على أن الإنسان قادر على التغيير، ومن غير هذا الافتراض ستكون الجهود العلاجية غير مجدية منذ البداية، وعلى الرغم من عدم إثبات ذلك تجريبيا بعد، فعلينا المضي قدما في تقدير وتدعيم حرية الإنسان بالمعني والمسؤولية تجاه الحياة، وأن ندع للمستقبل وللعلم الفرص اللامحدودة للإجابة على الأسئلة غير المنجزة.

كاتب من تونس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *